رق الحبيب
لعلنا نتساءل ما الذى
يجذبنا الآن إلى لحن وضع
عام 1944 أى بعد أكثر من 60 عاما؟
الإجابة لن تكون إجابة
واحدة فهناك أسباب عديدة
لهذا النجاح أهمها اللحن
الأصيل ، والأصالة هنا
تعنى أنك تستمع إلى شيء
يشعرك أنك تقف أمام المرآة
فترى نفسك ، إنه ينقلك
إلى عالم الذات الداخلية
، لا تشعر أنك أمام شيء
غريب عنك بل تتحقق منتهى
الألفة من أول لحظة حتى
ينتهى اللحن ، وهى ألفة
مع نفسك ومع الآخرين ،
ومع روح الشرق وسمائه
الصافية ولياليه ونجومه
، باختصار تشعر أنك تنتمى
إلى هذه الموسيقى أو أنها
تنتمى إليك ، ثم يمكنك
إعادة الاستماع إليها
مرات ومرات دون ملل ، بل
إنك فى بعض المقاطع قد
تصيح معجبا.. الله .. وقد يتكرر
نفس الشعور فى كل مرة ،
ثم هناك الإحساس بأنك
أمام شيء فخم ، فى تمام
هندسته وروعة بنائه ،
وأنك أمام شيء جميل تحرص
على اقتنائه إذا استطعت
أذكر صديقا لى وكان
طبيبا شابا فى الثامنة
والعشرين جاء إلى منزلى
ذات مساء فسمع صوت أم كلثوم
تغنى رق الحبيب ، كان ذلك
الطبيب من هواة الموسيقى
الغربية الأمريكية ،
وكان يحفظ عن ظهر قلب كما
كبيرا من أغانى البوب
، ليس لحنا فقط بل وكلمات
أيضا ، جاء وهو يردد إحدى
تلك الأغانى منتشيا ،
ثم عند سماعه صوت أم كلثوم
صمت فجأة وكأنه نسى ما
كان يردده ، بل نسى ما جاء
من أجله ، وعندما انتهت
من مقطع معين طلب منى إعادة
ذلك المقطع ، ولما كنت
مشغولا ذهب بنفسه إلى
جهاز التسجيل وأداره
ليعيد سماعه ، فلما انتهى
أعاد سماعه مرة أخرى ،
وبعد عدة مرات أراد أن
يلفت انتباهى لما أعجبه
فقال: "اسمع" ، وكنت مستمعا
بالطبع لكنه كرر "اسمع
كيف تغنى أم كلثوم .. من فرحتى
بدى اتكلم .. قلت:"ماذا أعجبك
بالذات" قال: إن الكلمات
تكاد ترقص من الفرحة .. وما
أستعجب له كيفية الانتقال
إلى التعبير عن تلك الكلمات
فى لحظة" ، ثم أعاد الاستماع
مرة أخرى وهو فى أشد العجب
، وتفسير ذلك الموقف فى
اللحن أن الملحن انتقل
من جو السرد فى البيتين
السابقين
|
وفضلت افكر فى ميعادى |
|
واحسب لقربه ألف حساب |
|
وكان كلامى مع اصحابى |
|
عن المحبـــة والأحبــــاب |
إلى التعبير فى البيت
التالى
|
من فرحتى بدى اتكلــــــم |
|
واقول حبيبى مواعــــدنى |
وقد استعمل
فى ذلك ما يعرف موسيقيا
بالإقلاب ، أى أنه قد قلب
الإيقاع مع تعليق أساس
الوحدة الزمنية حتى بعد
بداية المازورة الأولى
، ورغم أن حركة الإقلاب
تبدو مفاجئة إلا أنه مهد
لها بتغيير إيقاع الفوكس
الموحى بحالة السرد فى
البيت الأول إلى الوحدة
الشرقية العادية فى البيت
الثانى ثم استخدم الإقلاب
مع بداية البيت الثالث
لإظهار جمال الإيقاع
المعبر عن البهجة والفرحة ،
وأضاف إلى ذلك تغيير فى
النغمة بالعودة إلى درجات
مقام الراست الشرقى فأكمل
الصورة التعبيرية ، وهذه
التغييرات فى زمن يقدر
باللحظات تدل على تمكن
الملحن التام من أدواته
كما تدل على معايشته الكلمات
والمواقف معايشة دقيقة
واستغراقه التام فى التعبير
حتى يصل إلى أفضل صورة
يتحقق بها التواصل مع
وجدان المستمع
بعدها بأيام زارنى
صديق آخر عرف عنه ولعه
الشديد بالموسيقى الكلاسيكية
الغربية ، ورغم أنها موسيقى
صعبة الحفظ إلا أنه كان
يتعرف على ما يسمعه غالبا
، فإن لم يكن باسم المقطوعة
فعلى الأقل اسم مؤلفها
، فسمع حينئذ مقطعا موسيقيا
من أغنية رق الحبيب فصاح
" تشايكوفسكى" .. وضحكت بالطبع
فلم يكن مؤلفها غير محمد
القصبجى ، والمقطع هو
عزف آلات التشيلو الغربية
منفردة فى هدوء تام وتأثير
ساحر بعد إيقاع الفالس
الطائر فى البيتين "هجرت كل خليل لىّ .. إلى
"من كتر خوفى على روحى"
.. والقصبجى هو أول
من أدخل آلة التشيلو إلى
التخت الشرقى
وبالمناسبة فقد استوحى
رياض السنباطى من هذا
المقطع أحد مقاطع أغنيته
" أقـبل الليل" لأم كلثوم
أيضا عام 1969 أى بعد ربع قرن
من رق الحبيب ، واستخدم
له آلة الأورج ، وهو الموسيقى
بين " لقيا حبيب لحبيب" و"
النوم ودع مقلتى" ، والتشابه
شديد ببن المقطعين فلحناهما
متقاربان ، وكلاهما جاء
حرا دون إيقاع ، واستخدم
فى المقطعين أداء منفردا
لآلة واحدة ، كما أنهما
استغرقا نفس الزمن!
ولا عجب .. إنه محمد القصبجى
من أشهر ألحان محمد
القصبجى لأم كلثوم: إن كنت اسامح ، ما دام
تحب بتنكر ليه ، يا صباح
الخير ، رق الحبيب
ولأسمهان: إمتى ح
تعرف ، ولليلى مراد: قلبى
دليلى
للسينما قام القصبجى
بتلحين أغانى لأم كلثوم
فى معظم أفلامها السينمائية
تقديم: د. أسـامة عفيفى
اصطلاحات:
المازورة: الوحدة
الزمنية المكتوبة
الفوكس: إيقاع ثنائى
سريع
الفالس: إيقاع ثلاثى
الوحدة العادية:
إيقاع رباعى متوسط السرعة
التشيلو: آلة وترية
تشبه الكمان لكنها أكبر
حجما وتؤدى الأصوات المنخفضة
تشايكوفسكى: مؤلف
كلاسيكى روسى من القرن
التاسع عشر من مؤلفاته
بحيرة البجع وكسارة البندق