ب- الموسيقى المتطورة
من الملاحظ
أن عبد الوهاب لم يبدأ
موسيقاته هذه من فراغ
، وإنما نلمح فى موسيقاته
المبكرة ملامح من القوالب
القديمة مثل التحميلة
والتقاسيم ، وإن جعلها
مكتوبة ومنع عنها الارتجال
، وخانات الإقفال السريع
المثلثة الكروشات كما
فى السماعيات ، والعودة
إلى تسليم كما فى معظم
القوالب الشرقية ،لكنه
فى تلك الأعمال لم يلتزم
بقالب بعينه ، فيأخذ جزءا
ويترك آخر ، أو يمزج شكلا
من قالب مع شكل من قالب
مختلف ، ثم تحرر شيئا فشيئا
من الجميع ، ولا شك أن من
يستمع إلى موسيقاه فى
الثلاثينات والخمسينات
مثلا سيلاحظ فروقا كبيرة
، لكن مع دخول الستينات
كانت موسيقاه قد اتخذت
شكلا مغايرا تماما لما
بدأ به
زاد
عبد الوهاب من اهتمامه
بالموسيقى البحنة ، وأضاف
موسيقى جديدة مثلت قمة
نضوج التأليف الموسيقى
لديه مثل حياتى ، الخيام
، وهدية العيد
التى استخدم فيها
موسيقى القرب الاسكتلندية
وأكثر موسيقات عبد الوهاب
تطورا على الإطلاق موسيقى حياتى
وموسيقى الخيام ، وقد استخدم فيهما
عبد الوهاب الأوركسترا
الكامل بتوزيع فائق الجودة
، وكان مايسترو عبد الوهاب
أندريا رايدر وراء نجاح
هذين العملين اللذين
خرجا فى أبهى صورة ، وبهما
طرق عبد الوهاب آفاقا
جديدة فى الموسيقى العربية
لم يتمكن أحد قبله ، ولا
بعده ، من الوصول إليها
، ومما لا شك فيه أنه لمس
بهما أبعاد الموسيقى
العالمية رغم احتفاظهما
بالطابع الشرقى
ج- مقدمات الأغانى
1- مقدمات أغانى عبد الوهاب
اهتم عبد الوهاب بمقدمات
الأغانى وجعل منها قطعا
موسيقية متكاملة اشتهرت
كثيرا بين هواة الموسيقى
وبعدها تسابق الملحنون
لتقديم أفضل ما عندهم
من موسيقى فى مقدمات الأغانى
، وهى مقدمات غاية فى الثراء
بل إنها فى كثير من الأحيان
تفوقت على المقاطع الغنائية
من حيث محتواها الميلودى
والأوكسترالى بل والتعبيرى
أيضا
ومن أشهر موسيقات قصائد
عبد الوهاب
لست أدرى
، الجندول ، الكرنك ، كليوباترا
، همسة حائرة
ومن موسيقات الأغانى
المتطورة القمــح ، عاشق الروح ، الحبيب المجهول
، الفــن ، أنا والعذاب
وهواك ، بافكر فى اللى
ناسينى ، لا مش أنا اللى
ابكى
2- مقدمات
الأناشيد والأغانى الوطنية
لا يمكن بأى حال إغفال
القيمة الفنية الكبرى
التى قدمها عبد الوهاب
فى هذا النوع من الأعمال
، فقد كان عبد الوهاب فى
أوج تألقه الفنى فى الخمسينات
والستينات وقد تربع على
القمة فنانا كبيرا موسيقيا
وملحنا وأستاذا وملهما
للعديد من الفنانين ،
بل ورمزا ثقافيا عاليا
من رموز مصر والعالم العربى
، أحبه الجميع واحترمه
شعوبا وقادة ، وارتبط
بفنه وجدان الملايين
فى الوطن العربى ، وكان
عبد الوهاب فى طليعة الفنانين
الذين سايروا حركة التحرر
العربى بل وألهموها الكثير
من توهجها ونشاطها
لم ينتظر محمد عبد الوهاب
قيام ثورة يوليو فى مصر
بل إن قصائده الوطنية
بدأت قبلها بكثير ، وبينما
كان معظم الفنانين العرب
غارقين فى أحلام الرومانسية
العاطفية قبل يوليو كان
محمد عبد الوهاب ينتقى
من الشعر ما يوقظ شعور
الناس فى كل مكان ويشعرهم
بقوميتهم وإنسانيتهم
وبحقهم فى الحياة الحرة
الكريمة ، ولم يشاركه
فى هذا الركب سوى اثنين
كانا يشتركان فى أعمالهما
أم كلثوم ورياض السنباطى
من أشهر موسيقات قصائد
عبد الوهاب الوطنية دعاء الشرق
، فلسطين ، النهر الخالد
، الروابى الخضر
وبمقدم الثورة تغيرت
أشياء كثيرة فى السياسة
والمجتمع تغير معها أداء
الفنانين ايضا ، ومن تلك
التغيرات الاهتمام الرسمى
فى مصر بالحركة الفنية
عموما إلى حد إنتاج الأفلام
السينمائية المستندة
إلى الأعمال الروائية
العربية الكبرى ، وإحياء
مسرح سيد درويش الغنائى
وغير ذلك ، وقد نال عبد
الوهاب قسطا من ذلك الاهتمام
بتوفير وتسخير جميع الإمكانيات
الممكنة له لإنتاج أفضل
ما يمكن من أعمال وطنية
، واهتم هو بالتالى بهذه
الأعمال لإخراجها فى
أفضل صورة ، فأنتجت أناشيد
مثل الجيل الصاعد ، صوت
الجماهير ، الوطن الأكبر
وغيرها نلمس فيها ثراء
كبيرا فى الموسيقى والألحان
والتوزيع والأداء الأوركسترالى
الفخم
وهى أعمال تعد من الناحية
الفنية من أفضل وأرقى
ما قدمه عبد الوهاب ، خاصة
أنها أعمال جماعية لا
تعتمد على المطرب الفرد
أو التخت الشرقى التقليدى
بل تعكس قدرا كبيرا من
التطور فى كل شيء ، والمستمع
إليها لا يكاد يصدق أن
ملحن امتى الزمان يسمح
يا جميل أو لما انت ناوى
تغيب على طول هو صاحب هذه
الأعمال الكبيرة ، لكنها
السياسة .. كما يمكنها أن
ترفع الفنان إلى الأعالى
يمكنها أيضا إسدال الستار
على فنه ، تم حظر إذاعة
معظم أعمال عبد الوهاب
الوطنية مع تغيرات أخرى
طرأت على الساحة العربية
ولم يعد بالإمكان الاستماع
إليها رغم ما فيها من جمال
ورغم الحاجة الشديدة
إلى الاستفادة منها كنماذج
فنية بذل فيها جهد كبير
وتمتعت بحب جماهيرى بالغ
3- مقدمات أغانى أم كلثوم
اشتهرت لعبد الوهاب
أيضا مقدمات أغانيه لأم
كلثوم وعلى رأسها إنت عمرى كموسيقى بحتة
ولـّــد عبد الوهاب
بإبداعه حب الموسيقى
البحتة لدى الجمهور وأصبح
الناس ينتظرون مقدمات
الأغانى ويستمتعون بالموسيقى
استمتاعهم بالغناء ،
ولم يكن الجمهور قبل عبد
الوهاب يطيق ذلك
، وكان له سبق طلب الجمهور
إعادة المقاطع الموسيقية
للاستماع إلى موسيقاه
قبل أن يبدأ الغناء وهى
ظاهرة أحرجت أم كلثوم
فى بداية تقديمها للألحان
عبد الوهاب لكنها اضطرت
إلى التسليم بها أمام
رغبة الجمهور الملحة
ويبدو أن عبد الوهاب
قد أعد تلك المقدمات الموسيقية
لأغانيها كجزء أساسى
فى اللحن وليس مجرد تمهيد
للغناء ، وقد استعمل فيها
كل ما أمكن من عناصر التجديد
والابتكار والإبهار لتكون
تحفا موسيقية ، ولا شك
أنها كانت من أسباب نجاح
سلسلة ألحانه لأم كلثوم
، وشهدت إقبالا كبيرا
من جميع الفرق الموسيقية
لتقديمها كمقطوعات موسيقية
دون غناء