يبدو
أن صديقنا على معرفة بالمقامات
، وهى ملاحظة جميلة وتستحق
التحليل
المقطع المقصود هو قالت سررت
الأعداء .. قلت لها ذلك شيء
لو شئت لم يكن
قبل
الإجابة على السؤال ،
نفضل ذكر مقدمة توضيحية
لمن قد لا يدرك ماهو النهاوند
وما هى السيك وحتى تعم
الفائدة ، نقول أن النهاوند
مقام شرقى لكنه موجود
فى الموسيقى الغربية
باسم مينير أى
المقام الصغير كأحد مقامين
أساسيين لا ثالث لهما
، الثاتى هو مقام ماجير أى المقام الكبير
، والفرق الأساسى بينهما
هو الدرجة الثالثة أى
مى فى سلم دو على سبيل المثال
، فإن كانت كاملة كان المقام
ماجيرا ، وإن كانت ناقصة
بقدر نصف درجة كان المقام
مينيرا
أما
الموسيقى الشرقية فتضم
عشرات من المقامات منها
ما يتشابه مع المقامات
الغربية فى أنها تسلك
نفس السلالم بمسافات
درجة كاملة أو نصف الدرجة
، ومنها ما يضم مسافات
نغمية أقل من نصف الدرجة
وهى ربع المسافة ( ربع تون)
وثلاثة أرباع المسافة
وهذه هى مايسمى بالسيك
، والسيك بكسر السين وفتح
الياء جمع دارج لكلمة
سيكاه ، والسيكاه كلمة
فارسية مؤلفة من مقطعين
هما سى ومعناها ثلاثة
وكاه ومعناها نغمة وبذلك
تشير كلمة سي كاه أو سيكاه
إلى النغمة الثالثة فى
السلم الشرقى وتقابلها
درجة مى فى السلم الغربى
، وتقع فى منتصف المسافة
بين الدرجة الثانية رى
والرابعة فا ، ولما كان
الفرق بين الدرجتين مسافة
درجة ونصف تقسم درجة مى
الشرقية أو السيكاه هذه
المسافة فتصبح على بعد
ثلاثة أرباع مسافة بين
الدرجة السابقة واللاحقة
وهذا لا وجود له فى الموسيقى
الغربية ، والسيكاه اسم
مقام أيضا أو سلم كامل
يبدأ من مى إلى جواب الـ
مى ، ودرج العرف
بين العازفين على تسمية
نغمات ربع التون عموما
بالسيكاه لكن التسمية
ليست لها علاقة بدرجة
أو مقام السيكاه
هذا
عن النهاوند والسيك ،
ويصبح السؤال بعد إعادة
صياغته كالتالى
الفرقه تعزف على مقام النهاوند
وهو المقام الخالي من
أرباع التون ، وهو يحول
بصوته ويضيف نغمات ربع التون
على اللحن ؟
هناك
شيء لم يذكره السؤال وهو
أن أرباع التون لا تتوافق
افتراضيا مع أنصاف التون
فكيف وفق بينهما عبد الوهاب؟
نتابع
معا تحليل هذا المقطع
مع استعراض لبعض خصائص
فن عبد الوهاب
الأساس
الشرقى: محمد عبد
الوهاب شرقى حتى النخاع
، وهو لا يستغنى أبدا عن
المقامات الشرقية ، وهو
يهواها ويعلم تماما أنه
تسكن فى صميم مزاج المستمع
الشرقى الذى يخاطبه
المزج
بين الشرقى والغربى: من تحليل اسلوب محمد
عبد الوهاب فى التلحين
عموما نجده يمزج بين الشرقى
والغربى فى معظم ألحانه
، وهو يفعل ذلك ببراعة
تامة ، ونجده يحرص كلما
استغرق بعيدا عن المقامات
الشرقية ذات الأبعاد
الربعية ، متأثرا
أحيانا بالموسيقى الغربية
، على العودة إليها ولو
فى حركة بسيطة
وفى
هذا المقطع دليل
على ذلك ، فبعد الاستغراق
فى أسلوب غربى الإيقاع
والتكنيك انتقل إلى حركة
البياتى المطرب كمن اشتاق
للطرب الشرقى فى هذا الجو
، وهى جملة اعتراضية بكل
المقاييس فهى شبيهة بالموال
الموقع ومن مقام مختلف
ولا تخدم التعبير فى شيء
إنما غرضها طرب محض ، وعبد
الوهاب فى ألحان أخرى
يفعل هذا فجأة ودون مقدمات
بل إنه أحيانا يقطع استرسال
اللحن وقد يفسد عليك استغراقك
معه ليفاجئك بمطرب مطربش
وسط لحن خواجاتى!
اتباع
قواعد الموسيقى الشرقية: يعلم محمد عبد الوهاب
بالطبع قواعد استخدام
المقامات فى التلحين
، وهذه القواعد لم يضعها
هو وإنما سبقته بمئات
السنين ، من هذه القواعد
أن لكل مقام فروع معينة
يمكن التحول إليها ومن
نقاط معينة فى المقام
الأصلى وليس من أى نقطة
، ويمكن تحويل الجنس أو
الفرع الجديد إلى مقام
كامل باستعراض كافة نغماته
ثم العودة إلى المقام
الأصلى أيضا من نقاط معينة
ويتمهيد إن لزم الأمر
مقام
النهاوند يمكن التفرع
منه إلى عدة أجناس منها
جنس البياتى على خامسة
النهاوند ، وجنس البياتى
يتألف من أربعة درجات
الثانية منها على ثلاثة
أرباع التون ، فإذا كان
على درجة البياتى الأصلية
وهى رى أصبحت درجة مى سيكاه
، وإذا تم نقل هذه الأبعاد
لتبدأ من الدرجة الخامسة
للنهاوند وهى درجة صول
أو النوا كما تسمى فى الشرق
يسمى المقام المنقول
بياتى النوا ، ويقال أنه
بياتى مصور على النوا
فى هذا
المقطع اتبع عبد
الوهاب أصول التفرع من
النهاوند فصور البياتى
على النوا ، وهذا ليس بجديد
فى شيء ، وهو أسلوب جائز
بل وشائع الاستخدام
استخدام
التآلفات: إنما
الجديد ما أشرت إليه أى
غناؤه على البياتى مع
استمرار الفرقة فى العزف
على النهاوند
وإذا
صح هذا فإن عبد الوهاب
يكون قد حل إحدى معضلات
الهارمونى الكبرى والتى
مازالت تبحث عن حل حتى
الآن ، لكنه لم يفعل ، فعند
التدقيق فى المقطع نجد
عدة ملاحظات
أولا: أن الفرقة تعزف النهاوند
كلزم موسيقية بين الجمل
الغنائية وليس مع الغناء
ثانيا: أن هناك مصاحبة لحنية
لآلة الناى للدمل الغنائية
على مقام البياتى
ثالثا: أن المصاحبة من الفرقة
أثناء الغناء ليست ميلودية
لحنية وإنما إيقاعية
فقط على درجة ركوز النهاوند
دو ، والتآلف المستخدم
هنا تآلف غير كامل هو تآلف
الأولى الخامسة ولاحظ
أن أولى النهاوند هى رابعة
بياتى النوا ويمكن استخدام
تآلف الرابعة هذا دون
مشكلة ، وهكذا فإن استخدامه
يصلح للنهاوند كما يصلح
للبياتى حيث أنه يتكون
من درجتين فقط
رابعا: استخدم عبد الوهاب
التآلف الهارمونى الغربى
الكامل على سلم النهاوند
المماثل للمينير الغربى
بعزف الدرجات الأولى
والثالثة والخامسة فى
آن واحد فى اللزم الموسيقية
، لكن الفرقة تتوقف عن
أداء هذه الهارمونية
بمجرد دخوله فى الغناء
وتكتفى بتكرار درجة الأساس
فقط حتى لا يحدث تنافر
بين الأرباع والأنصاف
من ناحية ومن ناحية أخرى
لا يجوز استخدام نفس التآلف
إذا كانت الجملة المغناة
مرتكزة على الخامسة حتى
بدون استخدام الأرباع
الشرقية ، إذ أن تآلف الخامسة
المنطقى هو صول سى رى وليس
دو مى صول
خامسا:
يربط استمرار
أداء الفرقة الإيقاعى
مع استخدام التآلف الثنائى
المشترك بين الميلودية
الغنائية وميلودية اللزم
بحيث يبدو اللجن نسيجا
واحدا ، لكن الميلوديتين
لا تجتمعان فى أى لحظة
، ولو حدث لكان للموسيقى
العربية شأن أخطر بكثير
الآن
يمكنك إعادة الاستماع
إلى ذلك المقطع من قصيدة
قالت ومتابعة تحليله
د.
أسامة عفيفى