المذهـــب
البنـــاء
اللحنى
يبدأ الغناء
من بإطلاق الصيحة الأولى
من جواب السلم بجملة
ضيعت مستقبل حياتى
تنحدر فى تتابع قصير على
حجاز النوا الحزين يتبعه
وقفة قصيرة على ثالثة
المقام ، وتؤكد الوقفة
برد موسيقى سريع ، ثم يمتد
اللحن بكلمة فى هواك
عند امتدادها اللفظى
الطبيعى أى مع مد الألف
ويشير هنا إشارة سريعة
فى درجة واحدة ولمرة واحدة
إلى المقام الأصلى (البياتى)
المشتق منه مقام اللحن
بالصعود إلى الخامسة
الطبيعية كما فى البياتى
بدلا من خامسة الشورى
الناقصة ، ويعبر عن تلك
الإشارة موسيقيا بفتح
الدرجة
ليس من
المعتاد عند التلحين
من مقام الشورى الوقوف
على ثالثة المقام فضلا
عن تأكيده لأنها ليست
من درجاته الأساسية ،
فهو مكون من جنسين رباعيين
الدرجة الرابعة هى الواسط
ينهما وهى التى ينبغى
عندها الوقوف بجملة ما
صاعدة أو هابطة ، فلماذا
اختار سيد درويش التوقف
هنا وتأكيده؟ الواقع
أنه ينظر إلى الحركة التالية
فهو يريد أن يلمس المقام
الأصلى ( البياتى) الأكثر
استقرارا من الشورى لتقوية
ختام الجملة ، وهو سوف
يفعل ذلك فى الحركة التالية
، فمهد لذلك تمهيدا خفيا
بالوقوف على الثالثة
التى هى من درجات البياتى
الأساسية حيث أن للبياتى
جنس ثلاثى خفى هو الجهاركاه
الذى يستقر على ثالثة
البياتى ( فا) وهو جنس شبيه
بمقام العجم أو الفا ماجير
، فإذا حدث الوقوف عليها
تحددت أبعاده تلقائيا
بثالثة الفا وخامستها
، أى بدرجة لا الطبيعية
ودرجة دو ، أى التكوين
فا لا دو ، وهو تكوين يسمى
فى الموسيقى الغربية
بالأكورد ، فدعوة فا ماجير
للحضور هنا هى دعوة لفتح
درجة لا وهو ماحدث بعد
لحظة ، ويمكن تخيل أن هناك
بديلين غير هذا التصرف
، الأول عدم لمس البياتى
مطلقا ، والثانى الانتقال
مباشرة إلى فتح درجة لا
دون ذلك التمهيد
لكن هذا الأسلوب غير مستساغ
ولا تقبله الأذن
والدليل
على أن سيد درويش تعمد
ذلك ولم يأت لحنه بالصدفة
أنه استخدم درجة دو المنخفضة
كبداية الرد الموسيقى
الصاعد نحو الهدف المطلوب
تأكيده وهو الفا ، ثم عاد
للركوز عليها لبرهة بعد
أن تمت جملة البياتى ، وهذه الدرجة كما
أشرنا هى خامسة الفا ماجير
فى الأكورد فا
لا دو أى من أساسياته بينما
لا تتمتع بأى استقرار
فى سلم الشورى
هناك مثال
لهذا التطبيق فى لحن آخر
من مقام الشورى ربما يكون
أقرب إلى المستمع وهو
الكوبليه الثانى من أغنية
أم كلثوم "هوه صحيح الهوى
غلاب" لحن زكريا أحمد ،
واللذى يبدأ بالكلمات
" نظرة وكنت احسبها سلام"
، التمهيد الموسيقى والغناء
يدرجان على المقام مع
التركيز على جنس حجاز
النوا فى جميع
الحركات وتوقف التمهيد
الموسيقى على النوا ثم
بداية الغناء بنفس التركيز
بحيث يخيل إليك أنه سيقتصر
على الحجاز ، وعدم التوقف
إلا فى نهاية المقطع "... وكلام"
على أساس الشورى ، ثم العودة
للدوران حول محور النوا
أى الرابعة إلى أن تجئ
جملة " أقول يا ربى زدنى
كمان" فيتوقف اللحن تماما
على الثالثة .. لماذا؟ لأن
الحركة التالية هى العودة
للمذهب من مقام الصبا
وهو مقام الأغنية الأصلى
، وفيه درجة لا أى الخامسة
مفتوحة أى طبيعية ، لذا
وجب التوقف على الثالثة
قبل الوصول إليها حتى
يأتى الرجوع للصبا طبيعيا
بغير تكلف أو نشاز
عودة إلى
سيد درويش ، بعد إتمام
تقوية الختام بهذا التكوين
يعود اللحن إلى التصفية
على مقام الشورى بدءا
من النوا فى كلمة " اللوم
" مؤكدا بذلك مقام اللحن
لأن العبرة فى تسمية مقام
أى لحن هى بما ينتهى إليه
وليس بما يبدأ به
التعامل
مع الألفاظ
ذكرنا أن
سيد درويش استخدم المد
الغنائى عند المد اللفظى
الطبيعى فى حرف الألف
من كلمة هواك ، وهذا من
خصائص التلحين عند سيد
درويش فهو يخلص لنطق الحروف
والكلمات ولا نسمع له
مد أو شد فى غير موضعه ،
وإذا استمعنا إلى أول
كلمة فى اللحن "ضيعت" نجده
يركز على التشديد الطبيعى
فى حرف الياء والسكون
الطبيعى على العين فيقول
ضى / يع/ ت ولا يقول ضاى / ياع
/ ت ، ويظهر حرصه هذا فى بداية
الكوبليه أيضا عندما
يقول عل / لم / تنى ، ولا يقول
عال / ليم / تنى ، وواضح أن
تركيب الكلمتين اللفظى
متناظر ، ولذلك جاء نطقهما
فى الغناء متناظرا أيضا
من أين
لسيد درويش هذه القدرة
على بيان اللفظ وإظهار
تركيب حروفه بالتشكيل
المكتوب والمنطوق؟ ثم
لماذا حرص على هذا البيان؟
، الحقيقة أنها قدرة وحرص
يكتسبهما القارئ للقرآن
الدارس لعلم التجويد
، وهو علم إظهار الحروف
ومدها أو إضغامها أو إخفائها
، ولا عجب فهو "الشيخ" سيد
درويش !
بالطبع
كسر سيد درويش هذه القاعدة
فى نهاية البيت وتفسير
ذلك سيأتى فى حينه
فى التعبير
ذكرنا كبف
كان تعبير سيد درويش عن
الصيحة المتالمة فى بداية
النص وكيف مهد لها موسيقيا
وفى التعبير
عن جملة "وازداد علىّ اللوم
... " فى الشطرة الثانية قد
نتساءل لو أن المراد هو
التعبير فهل نعبر عن اللفظ
المطلق أم عن المعنى والحالة
النفسية؟ ولو نظرنا إلى
كلمة "وازداد" لفظا فهى
تفيد الزبادة والترجمة
الحرفية لهذه الزيادة
موسيقيا هى بالزيادة
أيضا بالصعود على السلم
وليس بالهبوط عليه ، وقد
يفعل ذلك ملحنون كثيرون
فى محاولة التعبير عن
الكلمات ، لكن سيد درويش
فعل عكس ذلك ، فقد نزل بهذه
الكلمة إلى آخر السلم
، وأعتقد أن المغزى واضح
من هذا السياق فهو قد قصد
التعبير عما يحدث للإنسان
إذا زاد عليه الضغط فخارت
قواه وأحس بنهاية أمله
أما فى
كلمة البغددة فى آخر البيت
الأول فمعناها اصطلاحا
فى العامية المصرية الدلال
والتمنع ، ويقال فيها
تعبير معروف لدى المصريين
يقول أحدهم للآخر " ح تتبغدد
علينا وللا إيه.. ؟!" فى إشارة عاتبة إلى
إهمال طرف لآخر وتعاليه
رغم تقربه منه ، وهذا بالضبط
هو موضوع الدور كله الذى
يلحنه سيد درويش ، إذا
فالكلمة هامة وتختزل
معانى بقية الأبيات ،
فكيف يتعامل معها الشيخ
سيد ، إنه أولا يدللها
فيمد فى أدائها ، ويهيئ
بهذا الدلال اللفظى صورة
لدلال المحبوب تظهر فى
تلوى الكلمة على محور
كاللولب لا تعرف من أين
يمسك! وهو هنا يمد
ويلوى فى اللفظ الذى لا
تتحمل حروفه ذلك ولا تشكيله
، فيكسر قاعدة التعامل
مع الألفاظ التى أشرنا
إليها فى سبيل التعبير
عن الموقف والمعنى ، نأتى
عندئذ لنهاية هذه الكلمة
كيف ينتهى موقفها؟ بعد
الحركة اللولبية العنيفة
، وكلها فى
حرف الدال الأولى ، يأتى
الختام بمد نسبى على نفس
الحرف قبل أن ينهى الموقف
كله فى آخر حرفين " دة " فيقف
بهما على السكون المقطوع
على آخر السلم فكأنه قد
مد اللولب إلى آخر عزمه
ثم أطلقه ليصيب هدفه ،
مشيرا إلى تكملة التعبير
عن جملة "وازداد علىّ " أى
زاد الأمر حتى أصبحت كمن
أصابه سهم فتوقف تماما
عن كل شيء
قد يتساءل
أحدنا هل كان كل ذلك فى
ذهن سيد درويش أثناء عملية
التلحين؟ الإجابة نعم
ولا ، فمن المؤكد أنه قصد
التعبير بذلك الأسلوب
أما التشبيهات فهى أدوات
يستعملها الناقد لتقريب
الصورة
الأداء
ولنستمع
إلى أداء سيد درويش فى
هذا المطلع ، تعجب كثيرون
من أدائه على هذا النحو
، وقد اتضحت لنا حتى الآن
مبررات كافية لكن هناك
إضافة تعبيرية ، إن أداء
سيد درويش يختلف عن أداء
غيره لنفس اللحن ، وقد
أشرنا فى موضع سابق إلى
أنه سجل جميع أدواره بنفسه
ما عدا دورا واحدا لم يتمكن
من تسجبله قبل وفاته ،
ولابد من أنه كان فى ذهنه
شيئ يعلم أنه قد بضيع فى
أداء الآخرين لأنه أول
من يعلم أن صوته ليس صوت
المطربين ، وإذا استمعنا
إلى أول كلمة فى هذا الدور
وكيف يؤديها نجده يصيح
كمن عض أنامله ! ضيعت .. إنه
الأسف والندم والحيرة
والألم ، إنه فى غاية الانفعال
بهذه الأحاسيس ، والواقع
أن انفعال الشيخ سيد شيء
نادر الوجود فى عالم الغناء
، والمتتبع للحظات انفعالاته
القوية فى ألحانه يشعر
بأن الرجل يكاد يذوب فى
الكلمات
إلى هنا
مازلنا فى البيت الأول
..