لحن الصنايعية
- الحلوة دى
هذا اللحن على
سبيل المثال ومطلعه " الحلوة دى
قامت تعجن فى البدرية
.. والديك بيدن كوكو كوكو
فى الفجرية .."
يبدأ بصورة شعبية
بسيطة هى مدخل إلى قضية
كبرى ، العمال والصنايعية
والصناعة ورأس المال
، موضوع غير قابل للغناء
أصلا ، وينتقل من غناء
فئة من العمال إلى ، وهذا
هو الأهم ، ربط هذه الصورة
بحال البلد كلها ..
كان باستطاعة سيد
درويش أن يستمر كما فعل
أسلافه من الفنانين فى
طرق نفس الموضوعات والبعد
عن الصور البائسة والمؤلمة
لشعب بأكمله وليس لمجرد
فرد لسعه الغرام ، إنه
يتعرض لقضية سياسية فى
المقام الأول ، ولم تكن
هذه مهمة الفن فى عصره
، كان الفن للمتعة فقط
، ثم هو يجعل من هذه الطقطوقة
البسيطة والمليئة بالشجن
فى نفس الوقت قطعة فنية
خالدة تحفظها الأجيال
نأتى لبعض التفاصيل
من هى الحلوة التى
يريد سيد درويش أن يتغنى
بها؟ إنها امرأة بسيطة..
تعد خبز الصباح لأسرتها فىوسط شعبى بين
عامة الناس الذين يربون
الدواجن فى منازلهم المتواضعة
يظهر وسطها الإنسانى
فى الجملة التالية على
لسان مجموعة من الصنايعية
تخرج فى الصباح
الباكر فى رحلة كل يوم
للبحث عن الرزق تقول " ياللا بنا على
باب الله .. باصنايعبة .. يجعل
صباحك صباح الخير يااسطى
عطية"
ما هو الجميل فى
المرأة الكادحة التى
تخبز خبز الصباح؟ ، إن
هدف سيد درويش ليس الغزل
هنا ، إن نصب عينيه أمر
أهم ، الشعب الذى
لم يكن يمثل على أى صعيد
اجتماعى فى الطبقات العليا
التى تستمتع بالفنون
، حتى نساؤه لم تحظ بالغزل
إلا فى التراث الشعبى
الممزوج بطمى النيل.. ثم إن الفن الراقى
كان حكرا على صالونات
الأتراك والمستتركين
من أتباع الدولة العثمانية
، ولم يكن لبسطاء مصر غير
الطمر التام فى طينها
وترابها
إنه يتطرق تحدث
عن بؤس فئة من الناس تشكو
همومها إلى رب العالمين
، لكن فئات أخرى عديدة
من الشعب كانت تشعر بنفس
الشعور ، وتعانى من نفس
الإحباط ، فسرت أغنيته
فى نفوس الناس وكأنها
تتحدث عن نفسها
" طلع النهار فتاح
يا عليم .. والجيب مافيهشى
ولا مليم"
مين فى اليومين
دول شاف تلطيم .. زى الصنايعية
المظاليم
ثم يتصاعد كلاما
ولحنا إلى صيحة الصنايعية
" الصبر أمره طال
.. وايش بعد وقف الحال "
ثم يطلق دعوة إيمانية
خالصة
ياللى معاك المال
.. برضه الفقير له رب كريم
وينتقل إلى النظر
حوله ، للأمم التى تقدمت
، ويبحث فى سر تقدمها
" أولاد أوربا ما
بيناموش .. عن الصنايع مايونوش"
ويتساءل لماذا
نحن مهمومون بينما لدينا
كل المواهب
" سبع صنايع فى ايدينا
.. والهم جاير علينا "
ثم يوجه اللوم ماشرة
إلى أغنياء القوم
ياما شكينا وبكينا
.. يا أغنيا ليه ما تساعدوش
وليس ما تغنى به
سيد درويش من نظمه ، وإن
كان له فى ذلك الكثير
، ولكن اختياره للموضوع
، وهو ملحن ، قد أدخل الفن
إلى عالم جديد
وهذه هى المفاجأة
.. إنه موضوع جديد ، وجاد
، وجرئ ، ويحمل معه آفاقا
جديدة من التعبير عن أحوال
بسطاء الناس ، الصنايعية
هنا على سبيل المثال ،
الذين لم يكونوا من قبل
فى أجندة الفن ، ولا فى
أى أجندة .. وتجاهل تام لموسيقى
الصالون الحاكم
كانت مفاجأة سارة
للشعب المصرى ، لكنها
لم تكن كذلك لا للقصر الملكى
ولا للاحتلال الأجنبى